عندما درسنا قواعد اللغة والنحو بدأنا تعلمنا لاركان الجملة الفعلية بمثال (ضرب زيد عمرا) وعندما تساءلت وأنا طفلة ( لماذا لم يسامح زيد عمرا؟) تلقيت عقابا وتوبيخا لأنني أشاغب في الفصل وأفسدت على المعلمة حصتها، ومنذ ذلك اليوم تعلمت أن لا أسأل حتى لا أضّرب!!! وليت الأمر اقتصر على هذا المثال فقط، بل أن كثيرا من الأمثلة التي تعطى لتلاميذ المدارس كتطبيقات عملية على الدروس التي يتعلمونها قد تنمي فيهم قيما سلبية دون أن ندري، فالمثال الشهير سابق الذكر بقدر ما يوحي بالعنف، فإنه يرسخ العلاقة السيئة والعدائية بين الأطفال في المدارس، تلك العدائية التي هي المبرر المفترض لعدم رغبة كثير من أطفالنا في الذهاب إلى المدرسة، قد لا تكون هذه العبارة وحدها هي السبب ، لكنها إحدى المؤشرات الكثيرة الدالة على انتشار الخوف اليومي بين جدران الفصول، كما أن إلغاءها وحدها من مناهجنا لن يساعد في منع العداء والإقصاء والتمييز الذي يمارس على الضعفاء من الأطفال، لأننا نحن في حاجة إلى شيء أكبر وأعمق يتمثل في إحياء النظام التربوي والاجتماعي بالمدرسة، ذلك النظام الذي يمكنه أن يوفر الدعم للتلاميذ من خلال تشجيع التميز والنجاح ودعم الكبرياء المدرسي وروح الفريق و التقدير واحترام شخصية الفرد ودعم النمو الذاتي، فهذه العناصر هي التي تمثل الأركان الأساسية للمدارس التربوية السليمة، فالمدرسة التربوية الحقيقية هي المدرسة التي تنجح في خلق بيئة سليمة تدعم الإحساس الايجابي لتفوق التلاميذ وتضع ضمن أهدافها التربوية و التعليمية والاجتماعية أهداف بناء الاتصالات الإنسانية الايجابية التي تحترم الاختلاف وتدعم القيادة الفعالة، وهذا يتطلب إحياء ثقافة المجتمع المدرسي التي كانت سائدة ذات يوم، حينما كان التلاميذ والمعلمون وأولياء الأمور والإدارة يشكلون مجتمعا متكاملا ومتعاونا ومتفاهما يسعى إلى غرس الإحساس بالمجتمع داخل المدرسة، فينظر المعلمون إلى المدرسة على أنها بيئتهم ومنزلهم الثاني وأن التلاميذ هم أطفالهم وفلذات أكبادهم الذين يخافون عليهم ويحرصون على مصلحتهم، وتلتزم الإدارة بتوفير الإمكانيات التي تدعم الأمان الشخصي للمعلمين وتوفر لهم وسائل الجذب والاطمئنان والتقدير والاحترام لمهنتهم باعتبارها مهنة سامية، كما تحرص هذه الإدارة على خلق بيئة مدرسية ايجابية تدعم إحساس التلاميذ بالتفوق، وتقدم الدعم الإيجابي لهم، وتشجيع التعاون وتسعى إلى إيجاد علاقات قوية وأهداف تعليمية عالية تعد جيلا سعيدا وآمنا وناجحا وواثقا من نفسه، وبالتالي يشعر التلاميذ بأنهم جزء من المدرسة وأن حمايتها والحفاظ عليها هي جزء من مسئوليتهم تجاهها، وبذلك يؤمن كل واحد منهم بأن حقوقه معترف بها مثلما هي واجباته ملزمة له، وبالإضافة إلى كل ذلك تعود مسئولية مجالس الآباء في دعم الثقافة المدرسية المجتمعية، فيكون دورهم مدعما للعملية التربوية، وحارسا على ما يتم في المدارس من تقويم للأخطاء وحل للمشكلات وتسهيل للإجراءات، وبالتالي ينعكس كل ذلك علي الأبناء في الفصول وتعود العملية التعليمية من جديد إلى دورها التربوي، ولكن حتى نحقق هذا الحلم الجميل لابد أولا أن نسأل أنفسنا عن مدى فاعلية البرامج التعليمية الحالية في غرس ثقافة التسامح ودعم التعاون بين التلاميذ، فالبرامج الفعالة لا تظهر فجأة، بل تتطلب تخطيطا وتقويما وتعديلا، كما اننا في حاجة أكثر الي تقويم الممارسات الموجودة في المدارس من أجل إحياء الجو المجتمعي الآمن في المدارس، ونشر ثقافة السلام والتسامح بين التلاميذ، فـــعندما يظهــــر الخــــوف و الضرب ينتشر العنف والعداء، وحينما ( يضرب زيد عمرا) فلن يتعلم أحد كيف يسامح ولا أن يتفاهم.